آخر الإضافات
الموسوعة اليافعية

يافع في التاريخ الوسيط

أدَّى أهل يافع أدوارًا سياسية وعسكرية مهمة أثَّرت تأثيرًا مباشرًا في التاريخ الوسيط لجنوب الجزيرة العربية، ويكفي أن نلقي نظرة وجيزة على التاريخ الوسيط والحديث لنرى تلك الأدوار التي لعبها أهل يافع فأثَّرت في امتداد نفوذهم أو انحساره:

1) كان أهل يافع هم قوام جيش الملك (علي بن الفضل بن أحمد الجَدَني الخَنْفَري)(1)، ومن بلادهم انطلقت دعوته وحركته السياسية التي سيطرت على (أبين) و(عدن) و(المعافر) و(إب) و(تهامة) حتى وصلت إلى (صنعاء) في العقد الأخير من القرن الثالث الهجري، ومن قواده الكبار (ذو الطَّوْق اليافعي)، وقد بسط هذا الجيش نفوذه على معظم الأرض اليمنية، وكان الدافع الرئيس لهذه الحركة هو استعادة مُلك (حِمْيَر).. بدليل اصطدام ابن الفضل وجيشه بداعية الإسماعيلية في اليمن (ابن حوشب). وقد ألصق خصوم هذه الحركة كثيرًا من المبالغات والتهم.. وكل ما كُتب عن هذه الحركة في الماضي إنما كان بأيدي خصومها، ويفتقر إلى التجرد والموضوعية(2).

2) وكان أهل يافع أهم عناصر جيش الدولة الرسولية الشافعية، وخصوصًا في مدينة (عدن)، وكان لهم أثرهم في إحداث أي تمرد أو قمعه طوال فترة حكم الرسوليين لهذه المدينة، ومن المعروف أن (عدن) هي آخر معاقل الرسوليين سقوطًا في أيدي الطاهريين سنة (858هـ)، وما كان سقوطها إلا بعد تعاون قبيلة (أهل أحمد) اليافعية مع الطاهريين للنكاية بخصومهم من قبيلة (كلد) التي تنافسهم في الزعامة العسكرية على عدن(3).

3) وكانوا جزءًا مهمًا من التركيبة القبلية والسياسية في الدولة الطاهرية الشافعية، وأسهموا في بناء الدولة والدفاع عنها، وكانوا في معارضتها أحيانًا(4)، ففي سنة (903هـ) قام السلطان (عامر بن عبدالوهاب الطاهري) بحملة عسكرية لإخضاع قبيلة (يافع)(5) بعد مساندتها لابن عمه (عبدالباقي بن محمد بن داود بن طاهر) سنة (895هـ) في ثورته على السلطان عامر، ومحاولته السيطرة على مدينة عدن(6). وفي عهدها كانوا أكثر سكان مدينة عدن(7).

4) وعندما امتد نفوذ الإمام المتوكل على الله شرف الدين يحيى بن شمس الدين(8) إلى بعض الجهات الجنوبية من اليمن، أرسل بعض أهالي يافع إلى الحبشة لمساعدة أمرائها المسلمين في حروبهم ضد النجاشي عند استنجادهم به، وكان غرض الإمام هو التخلص منهم بسبب وقوفهم ضده(9)، وهذا يفسر لنا الوجود اليافعي العريق في بلاد (الحَبَشة).

**

(1) توفي مقتولًا بالسم سنة 303هـ. وللتوسع ينظر: كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة، ص40-67؛ السلوك في طبقات العلماء والملوك 1/ 201- 213؛ قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، ص158- 180، مع مبالغات غير معقولة ولا مقبولة في هذه المصادر؛ الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، ص27-48؛ ابن حوشب والحركة الفاطمية في اليمن، ص50-87؛ التاريخ العام لليمن، ج2 ص179-210، وفيه كلام جيد في دحض الافتراءات التاريخية المنسوبة إلى ابن الفضل ودعوته؛ معجم أعلام يافع، ص312-314، وفيه تحليل جيد حول شخصية ابن الفضل ودعوته؛ مقال (علي بن الفضل الخنفري الحميري لا فضل القرمطي)، علي صالح الخلاقي، صحيفة الثقافية، عدد 121، بتاريخ 6/12/2001م، ص8، وفيه دحض تهمة القَرمطة عن ابن الفضل.

(2) لست هنا مدافعًا عن ابن الفضل وحركته.. ولكن الهوة التاريخية السحيقة التي تفصلنا عنه، وأثر السياسة في كتابة التاريخ إذا كان بأيدي الخصوم، والمبالغة التي تستهجنها العقول فيما نسب من شنائع لهذه الحركة وقائدها.. كل هذا ونحوه يجعل الباحث يتوقف ولا يقبل ما روي، ويجعل هذه الحركة في ذمة التاريخ الضائع الذي لا يحق لمتخرص الخوض فيه حتى يأذن الله –تعالى- بظهور الحقيقة.

(3) للتوسع ينظر: العقود اللؤلؤية 2/13، 47، 48؛ تاريخ الدولة الرسولية في اليمن، ص141، 197؛ قرة العيون، ص433، 434؛ قلادة النحر 3/3588- 3590؛ هدية الزمن، ص83- 84؛ تاريخ حضرموت للحامد 2/581- 584؛ تاريخ القبائل اليمنية، ص170- 171؛ العقبة، ص163- 171.  

(4) ينظر: قرة العيون، ص 538، 542؛ تاريخ القبائل اليمنية ص171.

(5) قال ابن الديبع الزبيدي في (قرة العيون بأخبار اليمن الميمون)، ص542: «وفي آخر شهر جمادى المذكور [يعني: سنة 903هـ] توجه مولانا الظافر -أيده الله بنصره- إلى بلاد (يافع)، لذنوب كثيرة تقدمت منهم، فسار إليهم في جيوش عظيمة، فحط عليهم في سابع جمادى الآخر، فلما تراءى الجمعان انهزمت يافع هزيمة منكرة، واستولى الظافر على حصونهم جميعًا في أقرب مدة، ولم يكن منهم أمر متعب بعد ذلك، مع كثرتهم واتساع بلادهم ودعاويهم العريضة، فكان استفتاح بلادهم من أسهل الفتوح، فدخلوا عليه، وأذم عليهم، فتابوا من الخلاف توبة نصوحًا، وسار منهم جماعة تحت ركابه العالي، وإلى الآن لا يزال منهم جماعة تحت ركابه أينما سار أعزه الله» ا.هـ. ويلاحظ أن ابن الديبع كان من المقربين للسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري، فلا غرو أن يتحيز له في أخبار وقائعه، وهذا من تأثير السياسة في حيادية المؤرخ!

(6) قرة العيون، ص528- 529؛ اليمن عبر التاريخ؛ ص231- 232؛ تاريخ القبائل اليمنية ص171؛ وقائع من تاريخ يافع، ص155. وينبغي أن نعلم هنا أن السلطان عامر أحس بعصيان أهل يافع في عدن وتمردهم عليه، فضلًا عن وقوع بلادهم خارج دائرة الطاعة لدولته، فأمر الشيخ محمد بن عبدالملك عامل السلطان عامر على عدن بإخراج أهل يافع منها في رجب سنة (894هـ)، ومنهم نحو (400) إنسان ما بين صغير وكبير، فكان ذلك سببًا لتحالف اليافعيين مع الأمير عبدالباقي الطاهري في السنة التي تليها، وقد باءت هذه المحاولة بالفشل، وأدت إلى تسيير السلطان عامر حملة عسكرية لتأديب أهل يافع، مع أنه يحتمل أن هذه الحملة وصلت إلى أطراف بلاد يافع من جهة الساحل، فمن الصعب الدخول إلى الجبال الوعرة والأودية العميقة بجيش مهما تكن قوته.

(7) تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، ص152. قال الدكتور سيد مصطفى سالم في كتابه (الفتح العثماني الأول لليمن)، ص351: «وكان إقليم يافع يشتهر بقوة رجاله وبأنهم محاربون شجعان وأنهم من الجبليين الأشداء لذلك كان السلاطين الطاهريون يستخدمونهم في جيوشهم».

(8) إمام زيدي أعلن إمامته في (حجة) في 10 جمادى الأولى سنة (912هـ)، الموافق 28 سبتمبر سنة (1506هـ).. تمكن في آخر فترة حكمه أن يمد نفوذه إلى (عدن). ينظر: البرق اليماني، ص60، والفتح العثماني الأول لليمن، ص55.

(9) الفتح العثماني الأول لليمن، ص351.