آخر الإضافات
الموسوعة اليافعية

يافع في صدر الإسلام

أسلم أهل (يافع) في زمن رسول الله r طواعية كغيرهم من قبائل اليمن، ووفد إليه بعضهم ضمن قبيلة (ذي رعين) الحِمْيَرية، وقد حفظت لنا كتب تراجم الصحابة أسماء جماعة من أهل يافع شرفوا بصحبة رسول الله r هم: (مُبَرِّح بن شهاب اليافعي)(1)، و(عمرو بن شَعْواء -وروي: (سَعْواء)- اليافعي)(2)، و(شُريح بن أبرهة اليافعي)(3). وكان أهل يافع ضمن الجيوش الإسلامية الفاتحة لبلاد مصر وغيرها في عصر الخلفاء الراشدين... وقد أجمع المؤرخون على أن قائد ميسرة (عمرو بن العاص) في فتح (مصر) هو (مبرِّح بن شهاب)، وممن شارك في فتحها من التابعين من أهل يافع (دِرْع بن يسكن اليافعي)(4) و(بِرْح بن شهاب اليافعي) -أخو مبرِّح بن شهاب-، و(ثُوَب بن شريد)، و(حسَّان بن زياد اليافعي).

قال الإمام المؤرخ أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم المصري -رحمه الله- (ت 187هـ) في كتابه: (فتوح مصر وأخبارها)(5): «خِطَط الجِيْزة(6): ...فاستحبت (همدان) ومن والاها (الجيزة)، فكتب (عمرو بن العاص) إلى (عمر بن الخطاب) يعلمه بما صنع الله للمسلمين، وما فتح عليهم وما فعلوا في خططهم، وما استحبت همدان ومن والاها من النزول بالجيزة. فكتب إليه عمر يحمد الله على ما كان من ذلك ويقول له: كيف رضيت أن تفرق عنك أصحابك؟ لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينهم وبينك بحر لا تدري ما يفجؤهم؟! فلعلك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره، فاجمعهم إليك، فإن أبوا عليك وأعجبهم موضعهم فابن عليهم من فيء المسلمين حصنًا. فعرض عمرو ذلك عليهم فأبوا وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم (يافع) وغيرها، وأحبوا ما هنالك. فبنى لهم (عمرو بن العاص) الحصن الذي بالجيزة في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين. قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر: إن (عمرو بن العاص) لما سأل أهل (الجيزة) أن ينضموا إلى (الفسطاط) قالوا: متقدمًا قدمناه في سبيل الله ما كنا لنرحل منه إلى غيره، فنزلت (يافع) (الجيزة) فيها (مبرِّح بن شهاب) و(همدان) و(ذو أصبح) فيهم (أبوشمر بن أبرهة) وطائفة من (الحِجْر) منهم (علقمة بن جنادة) أحد بني (مالك بن الحِجْر) وكانت منهم طائفة قد اختطوا بالفسطاط أسفل من عقبة (تَنوخ)».

قال القاضي محمد بن علي الأكوع: «وقبيلة يافع ممن هبت لنداء الإسلام، وكانت في طليعة جيش المسلمين الفاتح لمصر، وكان على ميسرته (مبرح بن شهاب اليافعي الرعيني) الصحابي، و(حسان بن زياد اليافعي)، واجتازوا نهر النيل إلى الضفة الغربية، فركزوا العلم فيها. ومن ذلك اليوم سميت تلك المنطقة (الجِيْزة) وكان (عمر بن الخطاب) أمر (عمرو بن العاص) قائد الجيش أن يضرب سورًا على المسلمين كيلا يتجاوزا البحر، وكاد ينفذ الأمر (عمرو بن العاص). فمنع اليافعيون ومن معهم من القبائل العربية وقالوا: دعنا يا عمرو فإن أسوارنا صدورنا. واتخذت يافع خِطَّة لهم بمصر كسائر القبائل، ونبغ منهم جماعة...»(7). وقد بقي اسم (يافع بن زيد) يطلق على أحد شوارع (الجِيْزة) إلى هذا العصر(8).

وفي عهد الخلافة الراشدة وعصر بني أميَّة وبني العبَّاس في عصرهم الأول، كانت يافع ضمن الدولة الإسلامية المركزية.. ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من القبائل العربية الأخرى.

**

(1) قال ابن ماكولا في (إكمال الإكمال)، 4/ 268: «هو مبرِّح بن شهاب بن الحارث بن ربيعة بن سحيت بن شرحبيل بن صخر بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو بن يافع بن زيد بن مالك بن زيد بن رُعَين الرعينى اليافعي أحد وفد رعين على النبي r، وخطته بجيزة الفسطاط، وكان على ميسرة عمرو بن العاص يوم دخل مصر»، وينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 5/ 762.

(2) المرجع السابق 5/ 762، والإكمال لابن ماكولا 7/ 339، والأنساب للسمعاني 5/ 676.

(3) قال ابن الأثير في (أسد الغابة) 2/ 595، ط1، دار إحياء التراث العربي، 1417هـ/ 1996م، بيروت/ لبنان، تح: عادل أحمد الرفاعي): «شريح بن أبرهة، وقيل: شريح اليافعي. له صحبة وهو ممن بايع النبي r، وشهد فتح مصر. قاله ابن يونس. روى عمرو بن قيس الملائي عن الملحم بن وداعة اليمامي عن شريح الحِمْيَري قال: سمعت رسول الله r في حجة الوداع حين استوت به أخفاف الإبل يقول: «لبيك اللهم لبيك» الحديث. أخرجه ابن منده وأبو نعيم. وله أيضًا حديث التكبير أيام التشريق. وليس بين قولهم: يافعي وحِمْيَري اختلاف فإن يافعًا بطن من حِمْيَر وأظن هذا شريح هو ابن أبي وهب الذي يأتي ذكره، أخرجه أبو عمر ولم يسم أباه وذكر له حديث التلبية والله أعلم». وينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 3/ 333.

(4) قال ابن ماكولا في (إكمال الإكمال)، 3/ 380 في ترجمته: «ودرع بن يسكن اليافعي، شهد فتح مصر وكان مع عثمان يوم الدار».

(5) ص232- 233، ط1، تح: محمد الحجيري، دار الفكر، بيروت- لبنان، 1416هـ/ 1996م.

(6) اختطت القبائل العربية الفاتحة لأنفسها أحياء تسكن فيها في مدينة (الفُسطاط) التي أسسها سيدنا (عمرو بن العاص) t بعد فتح مصر سنة (21هـ).. وقد حدد المؤرخون الأماكن التي نزلتها هذه القبائل، ومن ذلك قول المؤرخ أبو القاسم ابن عبدالحكم في كتابه (فتوح مصر وأخبارها)، ص229: «... واختطت القبائل المنسوبة إلى سبإ منهم ابن ذي هجران ومعهم السلف شرقي جنب مما يلي مراد ثم مضوا بخطتهم بين المعافر وحضرموت حتى أصحروا، واختطت حِمْيَر قبلي خولان وشرقيها وشرقي بديعة من مذحج، فكانت يحصب قبلي المعافر حتى قطعوا الجبل، واختطت يافع ورعين شرقي خولان، ثم لقوا قبائل الكلاع، ثم مضوا بين قبائل سبإ والمعافر وبين اصطبل قرة بن شريك حتى أصحروا، واختطت المعافر وفيهم الأشعريون والسكاسك شرقي الكلاع...».

(7) هامش الإكليل للهمداني، بتحقيق الأكوع، 2/ 301.

(8) للاستزادة ينظر: يافع في مصر ودراسات أخرى، سالم عبدالرب السلفي، ص9- 42.