آخر الإضافات
الموسوعة اليافعية

يافع قبل الإسلام

كانت قبيلة يافع بطنًا من قبيلة (ذي رُعَيْن) الحِمْيَرية، وقد ارتبطت بالدولة الحِمْيَرية التي شملت جميع أرجاء اليمن أكثر من (600) سنة بين عامي (115 ق.م- 525م). وقد كان الاسم الأقدم لمرتفعات (يافع) هو (دَهْس/ دَهْسَم)(1) الوارد ذكره في بعض النقوش السبئية القديمة، وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن (يافع) هي المسكن القديم للحِمْيَريين، يقول جواد علي: «وقد كان الحِمْيَريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية [يعني: (ظِفار رُعَيْن)](2) في أيام مؤلف كتاب (التطواف حول البحري الأرتيري) [ألَّفه بين عامي 40- 70م] ولا سيما في مدينة (ظفار) وحصنها المشهور المعروف بـ(رَيْدان) والذي يرمز إلى مُلك (حِمْيَر) الذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء، وهو بيت الملوك وقصرهم أيضًا. وقد كانت منازل (حِمْيَر) في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل(3) التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءًا من أرض حكومة(4) (قَتَبان) وتتصل بحكومة (حضرموت). وتقع في جنوب (مَيْفَعة) وتؤلف أرض (يافع) المسكن القديم للحِمْيَريين، وذلك قبل نزوحهم قبل عام (100ق.م) إلى مواطنهم الجديدة، حيث حلوا في أرض (دهس) (داهس) وفي أرض (رُعَيْن)، حيث كانت (رُعَيْن) فأسسوا على أشلائها حكومة (ذو ريدان)... ويظهر من الكتب العربية أن الحِمْيَريين كانوا يقطنون حول (لحج) في منطقة (ظِفار) و(رَداع) وفي (سرو حِمْيَر)(5) و(نَجْد حِمْيَر)»(6). وتقول إسمهان سعيد الجَرو: «لقد توافرت لدولة (حِمْيَر) كل المناخات الملائمة لبروزها على الخريطة الجغرافية، ككيان سياسي مستقل، هذا الكيان الجديد الذي أصبح يشكل خطرًا يهدد الكيانات السياسية السائدة على الساحة. وقد... قام مكاربة حضرموت بتحصينات على مداخل أوديتهم الجنوبية تحسبًا لأي هجوم حِمْيَري مباغت، في الوقت ذاته نجد دولة سبأ العتيدة تصطدم عسكريًا بالدولة الجديدة في أراضيها أعني: أرض حِمْيَر وهي مرتفعات (يافع)»(7).

وقد وردت في نقش (النصر)(8) الإشارة إلى الحملة العسكرية التي شنها الملك السبئي (كَرْب إِل وَتَر) على بلاد (دَهْسم) التي كانت تتبع مملكة (أَوْسان) الحِمْيَرية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، والتي شملت أراضي واسعة من مملكة (أَوْسان) وغيرها، وكانت يافع من ضمنها، وورد في النقش عدد القتلى والأسرى وإحراق المدن(9). ونصه المترجم: «ويوم هاجم دَهْسَم وتبني (تُبَن) وكان قتلاهم ألفين، والسبي منهم خمسة آلاف، وأحرق مدنهم... (تلف في النقش)» ثم يقول: «ووهب دَهْسَم وتبني ودثنت لألمقة ولسبأ (أي: للدولة) ووهب عودَم لملك دَهْسَم»... «وأذهبها وعرها وسرها ومرعاها اقتطعها، وكل مدن ومناطق (أبضع) حول منطقة تفض (أبين) باتجاه دَهْسَم (يافع) والتي على البحر، وكل البحار التابعة لهذه المناطق، وكل أرض يلاي وشيعن...»(10).

وعلى كل حال: فإن المعلومات التفصيلية المتوفرة عن بلاد (يافع) في فترة ما قبل الإسلام قليلة.. ولكن وجود الآثار الكثيرة، والنقوش الحِمْيَرية المتناثرة في الشعاب والأودية، وآثار القصور، والمعابد، والنُّقْوَل (الطرق الجبلية)، والمآجل (خزانات المياه)، والمقابر غير الإسلامية، والمدرجات الزراعية الموغلة في القدم في جبال (يافع) وعلى جوانب أوديتها، وتسميات الأماكن ذات الصبغة الحِمْيَرية الواضحة، ومخلفات اللهجة الحِمْيَرية في لغة التخاطب عند أهل (يافع) اليوم، فضلًا عن فنون العمارة الحِمْيَرية المميزة التي توارثتها الأجيال.. كل هذه الأمور وغيرها تدل على العمق الحضاري الراسخ في أغوار التاريخ العربي منذ العصور القديمة.. وكل هذه الآثار الحضارية وغيرها لم تخضع إلى الآن للدراسة والبحث والتنقيب.. ولعلها ستكشف نقابها ومخبآت أسرارها في المستقبل بإذن مالك الملك.

التسمية بـ(سَرْو حِمْيَر) في شعر العرب القدامى ومروياتهم:

وقد عرفت يافع أيضًا باسم: (سَرْو حِمْيَر) تمييزًا لها عن (سَرْو مَذْحَج)(11)، وقد وردت هذه التسمية في أشعار بعض الجاهليين والمخضرمين، كقول الأعشى مَيْمَون:

 وَقَدْ طُفْتُ للمَالِ آفَاقَهُ   

عُمَانَ فحِمصَ فَأُورِيشَلِمْ 

 

 أتيتُ النجاشيَّ في أرضهِ   

وأرضَ النّبيطِ وأرضَ العجمْ

 

 فنجرانَ فالسّروَ منْ حِمْيَرٍ      

فأيَّ مرامٍ لهُ لمْ أرمْ 

 

ومنْ بعدِ ذاكَ إلى حضرموت      

فأوفيتُ همّي وحينًا أهِم(12)

 

- وقول حسان بن ثابت الخزرجي الأنصاري:

يمانون تدعونا سَبا فنجيبها            

إلى الجوهر المكنون خير الجواهرِ

 

ونحن ملوك الناس من عهد تبَّع ٍ      

إذا الملك في أبناء عمرو بن عامر

 

ونحن جلبنا الخيل من سرو حِمْيَر       

إلى جاسم بالمحنقات السنادر

 

ونورد أبطال العدو مناهلًا             

حياض المنايا وردها غير صادر

 

- وقول مالك بن حريم الهمداني الملقب (مُفزع الخيل):

ونحن جلبنا الخيل من سرو حِمْيَر(13)      

إلى أن وطئنا أرض خثعمَ أجمعا

 

فمن يأتنا أو يعترض بسبيلنا          

يجد أثرًا دعسًا وسخلًا موضَّعا

 

- وقول عامر بن الحارث النميري الملقب (جِرَان العَود):

أراقب لوحًا من سهيلٍ كأنه إذا ما      

بدى من آخر الليل يَطرِفُ

 

يعارض عن مجرى النجوم وينتحي   

كما عارض الشوكَ البعيرُ المؤلَّفُ

 

بدا لجرانَ العود والبحر دونه     

وذو حدَبٍ من سرو حِمْيَرَ مُشْرفُ(14)

 

- وقول تميم بن أُبي بن مقبل العامري:

طاف الخيال بنا ركبًا يمانينا             

ودون ليلى عوادٍ لو تعدِّينا

 

منهن معروف آيات الكتاب وقد      

تعتاد تكذب ليلى ما تمنينا

 

لم تسر ليلى ولم تطرق بحاجتها 

من أهل رَيمان إلا حاجة فينا

 

من سروِ حِمْيَرَ أبوال البغال به    

أنى تسدَّيتَ وهنًا ذلك البينا(15)

 

- وقول عبدالله بن الحارث الهمداني في بيت لم يرو عنه غيره:

وما رحلت من سرو حِمْيَر ناقتي     

ليحجبها من دون بابك حاجبُ(16)

 

- وقول العجَّاج في أرجوزة طويلة:

ورُبَّ هديٍ كالحَنيِّ مؤذَمِ

مُخَزَّمٍ أو غير لا مُخَزَّمِ

كالخَيْم في شَطِيِّه المخيمِ

يوم أضاميمَ له بميضمِ

بمشعر التكبير والمهينمِ

بين ثبيرين بجمعٍ مَعلَمِ

للسَّرو سَروِ حِميرٍ فجَيْهَمِ

وللشآمينِ طريق المشأم(17)

هذا ما وجدناه من أشعار ذلك العصر...

وقد أورد المؤرخ الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب)(18) هذه التسمية وبينها تحديدًا فقال: «سرْو حِمْيَرَ وأوديته وساكنه: العُرّ وثَمَر وحَبَة وعَلة وحَطيب ويَهَر وذو ناخِب جبل، وذو ثاوب وسَلَفة وشَعْب وعرُّميحان وسُلُب والعَرِقة ومَدْوَرة والمجزعة وتَيْم، فالعرُّ لأذان من يافع وثمر للذَّراحن من يافع، وحَبة للأبقور من يافع، وعَلّة للأَصووت من يافع، وحَطيب لبني قاسد من يافع، يَهَر لبني شُعيب من يافع، ذو ناخب لبني جَبْر منهم، وذو ثاوب لبني صائد منهم، سَلَفة لبني شُعيب أيضًا، شَعْب لبني سُمَيٍّ منهم، عُرُّميحان لبني شُعَيب أيضًا، سُلُب لبني جَبْر، العرقة للأَهْجور منهم وهي واد وهم بنو هَجَر، صُدُور لكَلْب من يافع، وفي كل موضع من هذه المواضع قرى مساكن كثيرة».

ولن أناقش هنا ما ذكره الهمداني من أماكن وقبائل، فهو يتحدث عن يافع دون أن يراها، لذا فيحتمل تسرب الخطأ إلى بعض المعلومات الواردة بناء على خطإ المصدر الذي اعتمد عليه، وهو أيضًا يذكر أسماء القبائل التي كانت معروفة في زمنه في القرن الرابع الهجري، وكم أماكن وقبائل تبدلت أسماؤها طوال العصور.

**

(1) ممن ذهب إلى هذا الرأي: جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، 2/ 289، ومحمد عبدالقادر بافقيه في كتابه (تاريخ اليمن القديم)، ص62- 63، وإسمهان الجرو في كتابها (التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية: اليمن القديم)، ص161، ومحمد يحيى الحداد في كتابه (التاريخ العام لليمن)، 1/ 221.

(2) الكلمات الواردة بين معقوفين [ ] للتوضيح.

(3) وردت في نقش مسجد الحصن بقرية الديوان بمكتب لبعوس إشارة إلى تسمية بلاد يافع أو الجزء الأعلى منها بـ(عَلَّة)، وإلى اجتياح جيش الملك السبئي (يهاقم) لمدنها. وقد تخلفت هذه  التسمية في اسم قرية بمكتب الموسطة، تقع في وادٍ شمال شرق جبل الحميري، جنوب سوق (14) أكتوبر حاليًّا. ينظر: نقوش من الحد، مصدر سابق، ص(69-70)؛ توحيد اليمن القديم، ص130.

(4) التعبير في هذا الموضع وما شابهه بالحكومة مجازي، لأن الدويلات القديمة كانت كيانات قبلية بدائية، ولم تعرف التنظيم الإداري الحكومي، وإن وجد فهو بصورة بدائية.

(5) قال ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، 3/ 217: «السَّرْو بفتح أوله وسكون ثانيه على وزن الغزو، والسرو الشرف، والسرو من الجبل ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل ومنه سرو حِمْيَر لمنازلهم وهو النعف والخيف، والسرو شجرة الواحدة، سروة والسرو سخاء في مروءة وهو منازل حِمْيَر بأرض اليمن وهي عدة مواضع سرو حِمْيَر».

(6) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 2/ 516.

(7) التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية: اليمن القديم، ص215.

(8) نقش النصر (Glaser1000=RES3945): نص سبأي مكتوب بخط المسند على الصخر يقوم في معبد (إل مقه) الكبير في (صرواح) بمأرب، سجل فيه الملك السبئي (كَرب إِل وتر) حروبه وانتصاراته في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أقدم نص طويل يصل إلينا من حضارة (سبأ)، وقد حفظ للباحثين أسماء مناطق كثيرة من أرجاء اليمن، وساعدهم على معرفة الأراضي التي كانت تتبع مملكة (أوسان) شبه المجهولة. ينظر: تاريخ اليمن القديم، ص57- 58.

(9) تاريخ اليمن القديم، ص62، التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية، ص160- 161.

(10) تاريخ اليمن القديم، ص63.

(11) سرو مذحج: هي ما يطلق على أنقاضها اليوم بلاد البيضاء، وتقع شمال سرو حِمْيَر. ينظر: صفة جزيرة العرب للهمداني بتعليق الأكوع، ص175- 189. والأصل في سرو مذحج أنه كان مسكنًا لذي رُعَيْن من حِمْيَر التي يافع منها، غير أن قبائل مذحج اغتصبتها من حِمْيَر بعد حربٍ بينهما، قال الهمداني في (صفة جزيرة العرب)، ص175: «وكذلك سرو مذحج لم توطنه مذحج إلا بأَخَرة، وهو من أوطان ذي رعين، وسوقهم فيه، وقبور ملوكهم وقصورها وآثارها، وأكثر مواضعه وبقاعه مسمى بأسماء متوطنه من آل ذي رعين».

(12) ديوان الأعشى، ص200.

(13) يبدو من هذه الأبيات وسابقاتها أن الخيل التي تجلب من (سرو حِمْيَر) كانت من أجود الخيل العربية وأكرمها، وقد تغنى بها الشعراء عبر العصور، فهذا ابن الأَبَّار الأندلسي من أهل القرن السابع الهجري (ت 658هـ) يقول في وصف الخيل:

سرى نوعها في سرو حِمْيَر برهةً           وذاك خصوص طالما خصها سروا

أبت خيلاء الخيل بأوًا بذاتها             عن الكبر لم يترك لراكبها بأوا

(14) ديوان مالك بن حريم، ص50.

(15) ديوان ابن مقبل، ص225.

(16) أورده ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، 3/ 217.

(17) ديوان العجاج بشرح الأصمعي، 1/ 457- 458.

(18) ص172- 173.