آخر الإضافات
الموسوعة اليافعية

حامية ابن غرامة و حامية آل بن عبدالقادر

حامية ابن غرامة في تريم:

كانت حامية صغيرة ضمن الحاميات اليافعية المنتشرة في الساحل والوادي وذلك في عام 1044هـ، حيث تمركز آل غرامة في الناحية الشرقية من تريم، كما امتدَّ نفوذهم إلى حافة السوق وسط المدينة وشرقيها حيث يوجد بها جامع تريم(1) والمنطقة المعروفة بحصن (الدكين).

تعد حامية غرامة إحدى الحاميات اليافعية، وقد استطاع عوض بن عبدالله تحويل هذه الحامية إلى إمارة صغيرة، ونقل مقرها من بيت جبير إلى السوق، كما سيأتي الحديث عنها في مبحث الإمارات.

حامية آل بن عبدالقادر في تريم:

سيطر آل بن عبدالقادر على حارة النويدرة في شمال المدينة، وكان ممن تولى إمارة هذه الحامية النقيب صالح بن حسين بن عبدالقادر، وكان هناك تنافس بين آل بن عبدالقادر وآل غرامة، وقد ترك ذلك أثره السيئ في اضطراب الأمن داخل المدينة الواحدة(2).

وتعد هذه الإمارة من الإمارات اليافعية التي أنشئت خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، في جزء من مدينة تريم التي انتهت سنة 1263هـ، وقد تولوا حكم منطقة (النويدرة) بـ(تريم) في شمال المدينة، في مدة ما سمي بعصر حكم العشائر اليافعية، وكان حصنهم ومقر حكمهم في أعلى جبل منطقة (النويدرة) غربي موضع (مولى العرض) ويسمى حاليا بحصن بن عبدالدائم.

ولا تتوفر لدينا معلومات كافية عن هذه الإمارة والشخصيات التي تولت الحكم فيها، ولعل أشهر من تولى الحكم من هذه الأسرة هو النقيب صالح بن حسين بن عبدالقادر، الذي ارتبط عهده بالتنافس الشديد بينه وبين ابن غرامة البعسي - الحاكم في وسط المدينة - أدى في الأخير إلى أن ينضوي ابن عبدالقادر تحت إمارة ابن غرامة.

نسب أسرة بن عبدالقادر:

ذهب البطاطي إلى أن أسرة (ابن عبدالقادر) تنتسب إلى قبيلة الناخبي من بني قاصد(3)، ولم يزد على هذا، والذي يظهر لنا أنهم ينتسبون إلى مكتب لَبْعوس لا إلى مكتب الناخبي، وإلى قبيلة (العَمْري) على وجه الخصوص للأسباب الآتية:

1- خصوصية مدينة تريم لمكتب البعسي من دون المكاتب الأخرى، فمن المعروف أنه في سنة 925هـ ذهب بدر أبو طويرق ليافع، وانتخب عدد منهم، وسار بهم إلى حضرموت، وفرقهم على مناطق عدة، فكان نصيب آل البعسي منطقة تريم خالصة لهم.

إضافة إلى أنه بحسب النظم والتقاليد اليافعية - الهجومية والدفاعية - القبلية فقد قسمت مناطق حضرموت إلى مناطق محددة أو محاور، تتحمل كل قبيلة أو مكتب أو فخيذة مسؤولية منطقة معينة أو محور معين، وكانت مدينة تريم من نصيب قبيلة البعوس.

2- وجود شواهد قبورية لقبيلة من مكتب البعسي هي (العمري) في مقبرة تريم، ولم يعد لهم وجود حاليًا، ولم تذكر مصادر أخرى دورًا لهم باسم العمري، والظاهر أن اسم عبدالقادر هو اسم جد، ثم اندرج على الألسن أكثر من العمري، فمثلًا شاهدة أحدهم جاء فيها ما نصه: «الحمد لله الباقي بعد فناء خلقه، فقد انتقل إلى سعة رحمة الله تعالى الموفق محمد بن عبدالقادر بن علي بن عمر بن علي بن أحمد العمري البعسي اليافعي ثالث.....».

 ومن خلال إلقاء نظرة على صورة الشاهدة تتأكد لنا أمور منها:

1- وجود العمري البعسي ضمن القبائل اليافعية بحضرموت.

2- من خلال الإطار الزخرفي للشاهدة مقارنة ببقية شواهد المقبرة يتأكد أن صاحب القبر من الشخصيات المهمة في مدينة تريم، فشواهد القبور يعدها أهل التاريخ وثيقة وأداة من أدوات التدوين التاريخي.

3- أن المؤرخين ينسبون ابن عبدالقادر إلى البعسي، فكل من كتب عن تاريخ حضرموت ومنهم العلامة ابن عبيدالله في بضائع التابوت في الكلام عن يافع تريم، يقول ابن عبيد الله: «وأما تريم - يحرسها الباري عز وجل - فقد كانت مفرقة بين قبائل لبعوس اليافعيين، ومنهم آل غرامة، وكانت لهم رئاسة عامة ثم لم يبق لهم إلا الحوطة والسحيل والرضيمة، ومنهم آل همام، ولهم الخليف وعيديد، ومنهم ابن عبدالقادر، وله النويدرة»(4) رغم أنه خلط إذ جعل آل همام من لبعوس أيضًا وهم من الناخبي، والله أعلم بالصواب.

نهاية إمارة ابن عبدالقادر:

ذكر ابن عبيدالله السقاف في بضائعه أن من أسباب زوال سلطة ابن عبدالقادر تلك الحادثة التي وقعت بين ابن عبدالقادر وبين السيد الثري حسين بن عبدالرحمن بن سهل، الذي يعد من أعيان تريم وأثريائها ومن المقربين لدى ابن غرامة البعسي ومن رعاياه، فقد خرج حسين بن سهل ذات يوم إلى منطقة النويدرة مقر ابن عبدالقادر، لزيارة خاله العلامة أحمد بن علي الجنيد، فشعر به ابن عبدالقادر فأرسل عبيده للقبض عليه، وساروا به إلى حصنه، ولم يطلقه إلا بمال جزيل قدر ما يتوهم أنه أعان ابن غرامة بمثله، فأظهر ابن سهل التجلد والرضا بالحبس حتى اطمأن صالح بن حسين بن عبدالقادر، وفيما هما يتحادثان استأذنه ابن سهل لدخول الخلاء، وربط عمامته بنافذة، وتدلى بها إلى الأرض، وأمعن في الهرب، ولم يشعر ابن عبدالقادر إلا بعد وصوله المأمن فناداه وتهدده، وقيل: إنه لما شعر بغفلة عبيد ابن عبدالقادر خرج من باب النساء، وعليه ثياب إحداهن، وذهب على الفور إلى ابن غرامة، وقال له: اطلب منك أن تساعدني بما أحتاجه من الجِمال للانتقال إلى الشِّحْر في هذه الليلة، فقال له ابن غرامة: لا تستعجل، وعلينا أن نفعل كل ما يشفي غليلك في ابن عبدالقادر، فقال: لا يرضيني شيء إلا أن تأخذ حصنه وتأسره، وإلا فلا بد لي من الهجرة، فاستمهله ريثما يعد العدة ويأخذ الأهبة، فلم يرض إلا بالمعاجلة(5).

ولما ظهر لابن غرامة جدية ابن سهل في سفره وهجرته، قال له: سأرسل إليك عبيدي واقترح عليهم ما شئت، وأنا سوف أساعدهم بكل ما أقدر عليه، فساروا إلى عند ابن سهل، وقالوا: لا نقدر على أسره إلا بمضايقته، ولا بد من بناء مخافر ليلًا على مقربة من حصنه، غير أنه لابد من اللِّبن، وهي غير موجودة، فقال لهم: هل هناك غير اللِّبن مطلوب؟ قالوا نعم، قال: ما عليكم، أنا أتعهد بذلك، ولا عليكم إلا أن تحضروا حراسة بالليل على العمال، وحشر لهم العمال من آل عمير وأخرج لهم 400 قوصرة من التمر، وقال: احملوها وابنوا بها أكواتًا حيثما يحب العبيد، ومتى فرغتم من أمر ابن عبدالقادر ردوها إلى محلها بدون تفريط في شيء منها، وقال للعبيد: من أتى بسدة حصن ابن عبدالقادر له مائة ريال(6)، ومن أتى بنافذة أو باب فله عشرة ريال، ولم يكن إلا أن بنوا المخافر من قواصر التمر على حين غفلة من ابن عبدالقادر؛ إذ لم يخطر له ولا لغيره مثل ذلك على بال، ولم يجد بدًا من النـزول على حكم ابن غرامة الذي كان كريمًا معه، وكانت له خؤولة من ابن عبدالقادر فلم يضيق عليه، بل تركه يمشي بسلاحه تحت مراقبة عبيده مدة من الزمن، حتى بدا منه التعرض ثانية لابن سهل في حادثة أخرى انتقامًا منه، فما كان من ابن غرامة إلا أن نـزع سلاحه، وشدد المراقبة عليه دون سجنه، رغم إلحاح ابن سهل، إلا أنه رغم هذا كله لم يرض ابن عبدالقادر بهذه الوضعية، وفكر مرارًا في التخلص من الإقامة الجبرية المفروضة عليه، وذات يوم استأذن غرامة في الذهاب إلى ضاحية الحاوي، فأذن له تحت المراقبة، وكان له حمار فاره، فلما انتهى إلى الحاوي دفع للعبيد شيئًا من الدراهم وقال لهم: خذوا لكم قهوة وتنباكًا وانتظروني ريثما أخرج من عند الحبيب الحداد، فقبلوا، وأخذ عنهم طريقًا إلى حصن فلوقة، ومنها إلى الغرف، حيث بدأ آل كثير يؤسسون فيها قاعدة لاستعادة حكمهم الضائع(7).

ابن عبدالقادر الوساطة:

وفي الغرف إلى الجنوب من تريم بدا ابن عبدالقادر بالمفاوضة بين آل كثير وبين آل همام، وصاحب الأمر فيهم يومئذ النقيب همام بن النقيب عبدالحبيب بن همام الناخبي؛ نكاية بابن غرامة، وعقب ذلك حصلت المفاوضات بين ابن غرامة وبين ابن عبدالقادر، وسمح للأخير بالعودة إلى داره مسلوب القوة، مغلوب الحيلة، لا أمر له ولا نهي، وقد انضم ملكه إلى ملك عبدالقوي بن غرامة الذي أيضًا دخل في مفاوضات صلح مع آل كثير عقبها حرب بين الطرفين انتهت بخروج ابن غرامة من تريم - حسبما فصل في مبحثه – ولم يبق من يافع بها يومئذ إلا آل همام والزغالدة والضباعي.

زوال ابن عبدالقادر من تريم:

كان خروج ابن عبدالقادر وأهله وحاشيته من مدينة تريم في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة 1263هـ،كما يرى من رسالة من العلامة عبدالله بن عمر بن يحيى العلوي، والذي كان من أكثر المحرضين لخروج يافع من تريم مرسلة إلى السلطان عبدالله بن محسن الكثيري(8) ولم يعرف الوجهة التي سار إليها ابن عبدالقادر ومن معه.

**

(1) بامؤمن: الفكر والمجتمع..، ص198.

(2) بامؤمن: الفكر والمجتمع..، ص198.

(3) البطاطي: عبدالخالق بن عبدالله بن صالح، إثبات ما ليس مثبوت من تاريخ يافع في حضرموت، مطابع دار البلاد، جدة، ط1، 1989م، ص93.

(4) السقاف: بضائع..، ج2، ص172.

(5) السقاف: بضائع..، ج2، ص201- 203.

(6) كان لابن سهل هذا عملة خاصة به سكها في تلك المدة سميت بعملة ابن سهل، وانتشر إلى جانبها الريال النمساوي المشهور بـ(ريال ماريا تريزا) سنة 1258هـ. ينظر: الشاطري: أدوار التاريخ..، ص397.

(7) السقاف: بضائع..، ج2، ص204- 207.

(8) بن يحيى: عبدالله بن عمر، مكاتبات بن يحيى، مخطوط، ص38.