آخر الإضافات
الموسوعة اليافعية

الدويلات والحاميات اليافعية في حضرموت-دويلة آل الجدياني

الدويلات والحاميات اليافعية في حضرموت

شهدت حضرموت خلال القرن الثاني عشر الهجري وما بعده حكم الحاميات اليافعية، وهي دويلات كثيرة ومتعددة تنهض إحداها وتنخفض أخرى، وهذه الحاميات لعبت دورًا كبيرًا في ساحة الصراع السياسي داخل حضرموت، وقد جمعها الأستاذ عبدالقادر بامطرف في كتابه (مختصر تاريخ حضرموت)، وسنتكلم عن هذه الحاميات  وعن حكمها، ثم نتتطرق لمراحل نمو هذه الحاميات وتدرجها.

 

دويلة آل الجدياني في المكلا (980هـ - 1114هـ):

التعريف بالمكلا:

بدأت المكلا حياتها خيصة بحرية وقرية للصيادين، وملاذًا للسفن في أشهر الخريف، تلجأ إليه سفن أهل الشِّحْر والواردين إليه من الآفاق عندما يهيج البحر في أيام الخريف لتأمن به من عواصف الرياح كونه مصونًا بالجبال(1)، وحتى منتصف القرن الثاني عشر الميلادي ما زالت المكلا قرية صغيرة لم يَزِدْ عدد سكانها عن 500 نسمة، ولا يعرف بالتحديد أول من سكن المكلا، فقد توافدت عليها أسر كثيرة بين تجار وبحَّارة ودعاة علم، وأصحاب حِرَف خاصة، كالصيادين الذين اتخذوا من ساحلها موطنًا لهم، فبنوا أكواخهم فيها، وقد كانت المكلا لبني حسن والعكابرة الذين فرضوا ضريبة على الصيادين مقابل الاستيطان فيها، كما بدأ انتقال بعض السكان من روكب إلى المكلا، وكانت بداية ظهورها حارة صغيرة، ثم توسعت بتوسع حكامها،(2) وبخاصة في عهد الدولة الكسادية وبلغت أوجها في عهد الدولة القعيطية لتصبح بذلك وإلى يومنا هذا حاضرة حضرموت وعاصمتها السياسية.

التسمية:

اشتقت كلمة (مكلأ) من مادة (كلأ)، وهذه المادة تأتي في اللغة على عدة معانٍ منها ما جاء في التهذيب: «قال الليث: يقال: كلأَكَ الله كَلاَءَةً، أي: حفظك وحرسك، والمفعول به مكلوؤ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ باللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾، وقد تعددت آراء المؤرخين حول الأصل اللغوي الذي اشتقت منه (المكلا) فقال ابن عبيدالله: هو اسم دال على مسماه إذ جاء في مادة «كلأ» من «التاج»: وأصله أن الكلأ ككتان مرفأ السفن، وهو عند سيبويه فعَّال مثل جبَّار، لأنه يكلأ السفن من الريح، وساحل كل نهر كالكلأ مهموز مقصور(3).

الموقع الجغرافي:

تقع مدينة المكلا على بُعد 250 ميلًا تقريبًا شرقي مدينة عدن، وتطل مباشرة على ساحل بحر العرب، ومن حيث الموقع الفلكي تقع مدينة المكلا بين دائرتي عرض532 و514 وخط طول 510 و549، وهناك تفاوت يسير في بعض الخرائط بهذا الشأن(4)، ويحتضن الأحياء القديمة منها من الناحية الشمالية جبل قارات، الذي يطلق عليه سكان المكلا اسم (القارة) والذي يكسبها حصانة طبيعية.

دويلة آل الجدياني:

ذكر ابن عبيدالله أن آل الجدياني مرَّوا بالمكلا في أواخر سنة 980هـ مجتازين فأعجبتهم، فاستوطنوها، وصار أمر أهلها إلى رئيسهم يشاورونه في أمورهم حتى صار أميرًا عليهم(5)، وآل الجدياني قوم من يافع حكموا المكلا، واستمر حكمهم لها قرابة أربع وثلاثين سنة، ساس فيها الجدياني المكلا سياسة حكيمة ورشيدة، وكانت المكلا آنذاك حارة صغيرة.

واحتل الجدياني مكانة كبيرة بين السكان المقيمين في المكلا، وتقرب إلى الصيادين وبعض القبائل كالعكابرة، وأخذ يتوسط لحل مشاكلهم، وثبت وجوده فيها حاكمًا، وأخذ من منطقة فوة مركزًا وعاصمة له، كما استطاع أن يتغلب على منافسه (الهزمي) ويكسب ولاء البادية والسكان، ويبسط نفوذه على امتداد فوة والمكلا، واستقطع أراضٍ وأموالًا في عدة جهات من المكلا(6)، ولم يستمر حكم آل الجدياني كثيرًا إذ سرعان ما عاجلهم كبير آل كساد واسمه (سالم) الذي كان موجودًا بالمكلا إذ ذاك، فاغتال الجدياني، واستقل بأمر المكلا(7)، وهذا ما أكده الناخبي بقوله: «تشير وثائق آل بكير الذين ينتسبون إلى الجدياني اليافعي أن جدهم الأول نـزل إلى المكلا عام 980هـ في سفينة ذاهبة إلى الهند وهو بها لغرض المعاش، ولكنهم وجدوا في ساحل المكلا معركة تدور بين البادية، وعرض وساطته وقبلت، وحكموه في النـزاع الناشب بينهم، فاستطاع أن يقضي على النـزاع، ويسدد أمورهم، ومن ثم عرضوا عليه أن يبقى مقابل بعض ما لهم من عوائد على الصيادين، فرغب في البقاء، وكان خيرًا لهم، واستمر حاكمًا لهذه المنطقة حتى أزاحه الكسادي عام 1115هـ»(8).

**

(1) ناصر: الإمارة الكسادية..، ص73.

(2) الخضر: سالم عمر؛ بن بدر: عبده عبدالله، المكلا عروس البحر الحضرمية، دراسة جيوبولتيكية، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، ط1، 1995م، ص28- 29.

(3) ناصر: الإمارة الكسادية..، ص71. والسقاف: إدام القوت..، ص50.

(4) ناصر: الإمارة الكسادية..، ص73- 74.

(5) السقاف: إدام القوت..، ص50.

(6) الناخبي: حضرموت فصول..، ص68.

(7) السقاف: إدام القوت..، ص50.

(8) الناخبي: رحلة إلى يافع..، ص190.